اسماعيل بن محمد القونوي

50

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المراد به الحاصل بالمصدر « 1 » فهو مضاف إليه تعالى من جهة الخلق إذ لا خالق سواه وإن لم يأمر به ولم يحرض عليه وإن لم يكن موجودا لكون المراد به معنى نسبيا فلا محذور في عدم إضافته إليه تعالى لكن الكلام ما هو موجود في الخارج فيضاف إليه تعالى خلقا في نفس الأمر والمشايخ احترزوا عن إضافة مثله من الأمور الدنية إليه تعال تأديا فلا يقال خالق القردة والخنازير ونحوهما لا لعدم خلقها بل لحسن الأدب مع الرب واكتفوا بقولهم خالق الأشياء خيرها وشرها فيندرج فيه خلق الخنازير ونحوها وبهذا البيان ظهر ضعف ما قيل إن المزين في الحقيقة هو الشيطان لأن التزيين صفة تقوم به لكون التزيين موجودا في الخارج « 2 » كما عرفته يحتاج إلى خالق ولا خالق إلا اللّه تعالى كما أن التعصب قائم بالمتعصب مع أنه مخلوق له تعالى ومراد المص بأن المزين هو اللّه تعالى إن المزين على الحقيقة هو اللّه تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله كما صرح به في سورة البقرة وأشار إليه هنا بقوله لأنه الخالق ( للأفعال والدواعي ) نعم التزيين الذي هو مقدور اللّه خلقا ومقدور العبد كسبا إسناده إليه تعالى مجاز « 3 » وإسناده إلى العبد حقيقة لكن المص لم يرد « 4 » ذلك بل أراد أن تحقق التزيين في الخارج وفي نفس الأمر بخلق اللّه تعالى وهذا هو الذي أراد بقوله على الحقيقة ولذا قال على الحقيقة بكلمة على قال المص في سورة البقرة وكل من الشيطان والقوى الحيوانية وما خلق اللّه تعالى فيها أي في الدنيا من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض أي بالسببية ولما كانت الأسباب دون مشيئته تعالى لاغية إذ بها تمامها كما صرح به في سورة النور في قوله تعالى : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [ النور : 35 ] قال مزين بالعرض أي إطلاق المزين عليها مجاز في نفس الأمر وليس التزيين موجودا بها وإن كان إسناده إليها حقيقة في بعض الصور وشتان ما بين الحقيقتين فإن المراد بالأول أن التزيين وجوده في الحقيقة بمعنى في نفس الأمر بخلق اللّه تعالى وبالثاني الحقيقة في الإسناد والكلام في الفاعل الكلامي دون الفاعل النحوي والقرينة عليه كون النزاع بيننا وبين المعتزلة في الفاعل الكلامي دون الفاعل النحوي ولذا قال في آخر القول وقيل إن المزين الشيطان فمن ذهب إلى عكسه واعترض على المص فقد خرج عن الإنصاف وتمسك بالاعتساف وتحقيق المقام ما أوضحناه من تفصيل المرام فليتأمل فإن المقام من مزالق الاقدام .

--> ( 1 ) وهذا إشارة إلى أن الحاصل للمصدر موجود في الخارج والمعنى النسبي غير موجود في الخارج كما بين في المقدمات الأربعة . ( 2 ) وقال الجبائي بناء على قاعدتهم من أن التزيين في المباحات مسند إليه تعالى وفي المحرمات مسند إلى الشيطان . ( 3 ) لأن الأئمة صرحوا بأن الإسناد إلى الكاسب حقيقة وإلى الخالق مجاز . ( 4 ) بقرينة قوله لأنه خالق الأفعال ولم يلتفت إلى الإسناد لأن النزاع بيننا وبين المعتزلة في خلق الأفعال وفي الفاعل الكلامي دون الفاعل النحوي وقد ذهل عن البحث ابن كمال والعون من الملك المتعال .